سهيلة عبد الباعث الترجمان
152
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ومع ظهور المسيحية تناولتها الغنوصية ونافستها منافسة خطيرة ، وقد اتخذت الغنوصية صورا وأشكالا مختلفة منها الغنوصية اليهودية والمسيحية والإسلام وقد وضعت تخطيطا عاما للوجود على قمته اللّه باعتباره وجودا معقولا غير مدرك على الإطلاق « 1 » وقد وردت عن الهرامسة فقرة تعبّر عن المعرفة الصوفية ، وهي حديث العقل الإلهي إلى هرمس « * » : إذا لم تجعل نفسك مساويا للّه فإنك لن تستطيع أن تدرك اللّه وذلك لأن الشبيه يدرك الشبيه ، اعمل على أن تصبح أكبر فأكبر حتى يصير مقدارك لا متناهيا ، تحرر من جميع القيود والحدود الزمانية والمكانية . . . فإن الطريق المباشر للّه هو أن تصبح قادرا على المعرفة محبا لها ، باحثا عنها ، أينما سرت جاء الإله للقائك وشخص أمامك حتى في البقعة التي لا تتوقعه فيها " « 2 » . وقد ورد ما يشبه ذلك في تساعيات أفلوطين حيث يقول : دع كل نفس تفكر في هذه الأشياء إنها هي التي خلقت كل شيء حيّ بأن نفخت فيه الحياة من روحها ، خلقت ما تنبت الأرض ، وأنشأت البحر وأنعمت بالهواء وأبدعت الكواكب الإلهية في السماوات . . . " « 3 » . فكلا الفقرتين تتشابهان من حيث ما تهدف إليه وهو " تأكيد فكرة وحدة كل أجزاء الحياة " « 4 » . وعلى هذا يكون معنى هذه الكلمة اليونانية الأصل " المعرفة " ، غير أنها أخذت بعد ذلك معنىّ اصطلاحيا خاصا هي التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا ، أو هو تذوق تلك المعارف تذوقا مباشرا بأن تلقى فيه إلقاء فلا تستند على الاستدلال أو البرهنة العقلية . لذا فقد اعتبر الغنوصيون عقائدهم أقدم عقيدة في الوجود وأن الغنوص " أقدم وحي "
--> ( 1 ) عطيتو ( حربي عباس ) ، ملامح الفكر الفلسفي والديني ، ص 273 . ( * ) هو الاسم الذي أطلقه اليونان على الإله المصري ( تحوت ) وسماه الأفلاطونيون المحدثون هرمس المثلث العظمة ( المعجم الفلسفي ، جميل صليبا ، الجزء الثاني ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1973 ، ص 569 ) . ويقول التفتازاني أن هرمس هو إله الخير في هذه الديانة لم يخلق الأشياء الروحية والمادية التي يتألف منها الكون خلقا مباشرا وإنما خلقها بواسطة الكلمة . ( أبو الوفا التفتازاني ، مدخل إلى التصوف ، ص 870 ) . ( 2 ) عطيتو ( حربي عباس ) ، المرجع السابق ، ص 271 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 272 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 273 .